خمس دقائق مع الصلاة 7 / استثناءات في أوقات النهي

خمس دقائق مع الصلاة 7

استثناءات من أوقات النهي

عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ، وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان [1].

عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ ». رواه الدارقطني ، وصحح ابن خزيمة وغيره وقفه[2].

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ فَجَرٌ يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَيَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَفَجَرٌ يَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَيَحِلُّ فِيهِ الطَّعَامُ» . رواه ابن خزيمة والحاكم وصححاه [3].

وللحاكم من حديث جابر نحوه وزاد في الذي يحرم الطعام : إنه يذهب مستطيراً في الأفق ، وفي الآخر : إنه كذنب السرحان [4].

عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: أفضل الأعمال «الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» . رواه الترمذي والحاكم وصححاه ، وأصله في الصحيحين [5].

1-الحكمة من النهي عن الصلاة في أوقات النهي هي البعد عن مشابهة المشركين ، فهذه لفتة تربوية ، الإسلام يريد من أبنائه تربيتهم على شيئين :

الأول : أن يكونوا موحدين لله في عباداتهم وعاداتهم وأحوالهم وأخلاقهم وجميع شؤونهم ، فتوحيد الله ومراقبته وطاعته وحده هي رسالة الإسلام الأولى .

الثاني : الاستقلال ، فلا يقلدون أحداً ، بل تكن لهم شخصيتهم الإسلامية المستقلة ، وهم الذين يعلمون البشر (لقد أنزلنا إليكم كتابا في ذكركم ) أي عزكم ورفعتكم وتميزكم ، ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونو شهداء على الناس يكون الرسول شهيدا عليكم ).

قال ابن تيمية رحمه الله : الأصل في النهي أنه عند طلوع الشمس وعند غروبها، لكن نهي عن الصلاة بعد الصلاتين سدا للذريعة ، فإن المصلي قد يصلي بعدهما حتى يصلي وقت الطلوع والغروب [6].

2-مضى في الدرس السابق أن هناك مستثنيات من أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة الواردة في حديث أبي سعيد وحديث عقبة ، منها ما رواه الشافعي وغيره (إلا يوم الجمعة) وهو حديث ضعيف كما بين المصنف ، لكن الذين يستثنون يوم الجمعة من النهي عن لصلاة وقت الزوال يستدلون بفعل الصحابة أنهم كانوا يصلون إلى أن يحضر الإمام ، قال ابن خزيمة : بَابُ إِبَاحَةِ مَا أَرَادَ الْمُصَلِّي مِنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ حَظْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ، وَأَرَادَ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا صَلَّى قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَتَطَوُّعٌ لَا فَرْضٌ مِنْهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ» ، وَفِي خَبَرِ سَلْمَانَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» [7].وَفِي خَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ: «فَيَرْكَعُ إِنْ بَدَا لَهُ» [8] .

واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية لذلك بفعل الصحابة y أنهم كانوا يصلون ما شاءوا من غير نكير إلى أن يجضر الإمام  ، ولهذا قال غير واحد من السلف ، منهم عمر بن الخطاب t، وتبعه عليه الإمام أحمد : خروج الإمام يمنع الصلاة ، وخطبته تمنع الكلام، فجعلوا المانع من الصلاة خرج الإمام لا انتصاف النهار , وفي موطأ مالك : أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ[9].

القول الثاني : أن الجمعة مثل غيرها من الأيام ، لا يجوز التنفل فيها وقت الزوال ، استدلالا بحديث عقبة .

الترجيح : مع هذا الخلاف ، لا ينبغي للإنسان أن يتحرى وقت الزوال أو قريبا منه فيصلي يوم الجمعة ، إلا تحية المسجد ، أما من كان يتم صلاة بدأها قبل الزوال بزمن فلعله له في الصحابة أسوة . والله أعلم[10] .

3-حديث جبير بن مطعم قيل أنّ المستثنى من أوقات النهي ليس ركتي الطواف فحسب ، بل تجوز الصلاة في أي وقت في المسجد الحرام .

والقول الثاني : أن المسجد الحرام كغيره في صلاة النفل المطلق ، لكن هذا الحديث في ركعتي الطواف ، وفي أصحاب السلطة على المسجد الحرام من أن يمنعوا من أراد أن يصلي أو يطوف في المسجد الحرام ، لكن الأوقات التي نهى فيها الشرع عن الصلاة فدليلها آخر وهو دليل ثابت في المسجد الحرام وغيره ، وراوي الحديث جبير بن مطعم من زعماء بني عبد مناف ، فإن أباه الرابع عبد مناف ، كما أنه الجد الرابع للنبي r . وبنو عبد مناف هم القائمون على المسجد الحرام ولهم السلطة أن يمنعوا أو يأذنوا ، فنهاهم النبي r أن يمنعوا .

الطواف ليس صلاة : واستدل أصحاب القول الثاني بهذا الحديث على أن الطواف ليس صلاة ، ولذا جاز في أوقات النهي ، وكانت ركعتا الطواف تبعاً له ، فجاز تبعاً ، عملا بقاعدة (يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً ) [11].

4- حديث ابن عمر صححوا وقفه على ابن عمر t ، وأنه ليس من كلام النبي r ، لكن إلى معناه ذهب الشافعي ومالك .

القول الثاني: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّفَقُ الْبَيَاضُ وهو الذي يكون بعد اختفاء الحمرة ، َرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ  ، فيكون نهاية وقت المغرب عند أبي أبي حنيفة بعد غياب الشفق الأحمر بوقت يسير [12].

والراجح الأول : خاصة إذا صحّ أن البياض الذي يأتي بعد الحمرة يستمر إلى ثلث الليل ، فلا ينبغي أن يكون قول أبي حنيفة حينئذ . الله أعلم [13].

5- حديث ابن عباس t فيه التحقق من إيقاع صلاة الفجر في وقتها بالتأكد من طلوع الفجر الصادق الذي يذهب مستطيراً في الأفق ولا يكون بعده إلا ازدياد الضياء ، أما الفجر الكاذب فهو مستطيل ، عمودي في الأفق ، وتكون بعده ظلمة .

وفي صحيح مسلم: عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ t، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا، حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا» وَحَكَاهُ حَمَّادٌ بِيَدَيْهِ، قَالَ: يَعْنِي مُعْتَرِضًا” .

ولفظ مسند الإمام أحمد : ” لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ ” . قال ابن سعدي ، وهو شيخ ابن عثيمين رحمهم الله: الفرق بينهما نصف ساعة . قال ابن عثيمين : يعني أن القجر الكاذب يخرج قبل الصادق بنصف ساعة ، قال : والحكمة من ظهور هذا الفجر الذي نسمية الكاذب ؛ حتى يستعد الإنسان للإمساك في الصيام ، ولصلاة الفجر فيختم صلاة الليل بالوتر الذي يريد أن يختهما به [14].

6- حديث ابن مسعود بهذا اللفظ ، في كلام ابن حجر إشارة إلى أنه شاذ من رواية علي بن حفص ، وهو صدوق  من رجال مسلم  ، وقد خالف الثقات، وإنما المحفوظ لفظة الصحيحين (علي وقتها) ، لكن سبق في حديث أبي برزة وغيره أن عادة النبي r وغالب فعله أن يصلي الصلوات في أول وقتها إلاّ العشاء أحيانا وأحيانا ، وصلى العشاء مرة في نصف الليل [15].

[1]  سنن الترمذي ، برقم (868) .

[2]  سنن الدارقطني ، برقم (1056) وتمام لفظه : فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ، وقد ضعف رفعه ، صحيح ابن خزيمة ، برقم (354) . وانظر بلوغ المرام تحقيق سمير الزهيري (ص60) .

[3]  صحيح ابن خزيمة ، برقم (356) ،

[4]  مستدرك الحاكم ، برقم (688).

[5]  مستدرك الحاكم ، برقم (677) ، وهذا لفظه ، أما لفظ الترمذي (173) الصلاة على مواقيتها ، وانظر صحيح مسلم برقم (138) ، البخاري برقم (527) .

[6]  ابن تيمية : مجموع الفتاوى (23/203).

[7]  صحيح البخاري(883) .

[8]  صحيح ابن خزيمة (ج2/ص887) – المكتب الإسلامي – الطبعة الثالثة – 2003م .

[9]  رواه مالك  الموطأ ، برقم (343) ، ابن القيم : زاد المعاد (ج1/367) – مؤسسة الرسالة – الطبعة الأولى – 1996، وانظر ابن عثيمين : فتح ذي الجلال والإكرام (ج2/ص91) .

[10]  وانظر ابن عثيمين : فتح ذي الجلال والإكرام (ج2/ص91)

[11]  انظر ابن عثيمين : فتح ذي الجلال والأكرام (ج2/ص96) ، جمعة بن خادم العلوي : المسائل الفقهية المعاصرة في الحج والعمرة (ص343) فما بعدها .

[12]  انظر الاستذكار لابن عبد البر (ج1/ص70) ، دار الكتب العلمية – بيروت – 2000 .

[13]  وانظر ابن عثيمين : فتح ذي الجلال والإكرام (ج2/ص100)

[14]  انظر صحيح مسلم (43 – (1094) ، مسند أحمد (20158) ، ابن عثيمين : فتح ذي الجلال والأكرام (ج2/ص105 ، 106) .

[15]  انظر ابن حجر : فتح الباري (ج2/ص14) في شرح حديث ابن مسعود رقم (527) .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *